عبد الفتاح اسماعيل شلبي
332
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
التاريخ ، بل إن هناك دليلا على أنه مؤلف بعد سنة ( 384 ه ) وفي جمادى الآخرة من تلك السنة على التحديد ، ذلك أن أبا الفتح عثمان بن جنى كتب إجازة للشيخ أبى عبد اللّه الحسين بن أحمد بن نصر أن يروى عن مصنفاته وكتبه « 1 » ، ولم يرد المحتسب في هذه الإجازة ، وبما أن هذه الإجازة بتاريخ جمادى الآخرة سنة 384 ه فمعنى هذا أن كتاب المحتسب مؤلف بعد تاريخ الإجازة ، وإذ كان ابن جنى قد توفى سنة 392 ه عن اثنين وستين عاما ، فاذن قد ألف كتاب المحتسب وهو باخرة من زمانه متقدما في سنه نحو الخامسة والخمسين . وإذ قد ثبت أن كتاب المحتسب مؤلف بعد الخصائص فهو مؤلف كذلك بعد النوادر الممتعة الذي يشير إليه ابن جنى في كتاب الخصائص « 2 » . ويبدو من مقدمة الكتاب أنه ألف وقد أحس دنو منيته ، وذلك قوله : . . . « وإن قصرت أفعالنا عن مفروضاتك ، وصلتها برأفتك بنا ، وتلافيتنا من سيئات أنفسنا ما امتدت أسباب الحياة لنا ، فإذا انقضت علائق مددنا ، واستوفى ما في الصحف المحفوظة لديك من عدد أنفاسنا ، واستؤنفت أحوال الدار الآخرة بنا فاقلبنا إلى ظل جنتك التي لم تخلقها إلا لمن وسع ظل رحمتك « 3 » » . فالتفكير في انقضاء علائق الحياة ، واستيفاء الأنفاس ، واستئناف أحوال الدار الآخرة ، والتطلع إلى ما فيها من ظلال النعيم - كل ذلك ظواهر تختلج على ألسنة الذين أدبرت أعمارهم ، وولت حياتهم ، وشعروا بدنو آجالهم . الذي أريد أن أرتبه على ذلك كله أن أبا الفتح قد اجتمعت له - في تأليف المحتسب - تجارب طويلة ممتدة ، وخبرات نافعة متعددة ، هي تجارب العمر كله التي انتهت به إلى الاستقرار الذهني ، ونضج ثمرة التحصيل المبكر ، والدرس المستمر ، والصحبة المجدية لأستاذه أبى على . إلى ما ركب اللّه فيه من صفاء القريحة ، وتوقد الذهن ، والقدرة البالغة على الاستخراج ، والبراعة الفائقة في تفهم اللغة ، والتفقه في خصائصها ، والتعرف على أصولها ، والغوص البعيد في أعماقها ، والسعي المديد
--> ( 1 ) معجم الأدباء : 12 / 109 . ( 2 ) انظر مثلا 336 و 388 . ( 3 ) مقدمة المحتسب وقرأت بعد ذلك في حقائق التأويل للرضي ما نصه : كان شيخنا أبو الفتح النحوي عمل في آخر عمره كتابا يشتمل على الاحتجاج بقراءة الشواذ . . . » . ( حقائق التأويل : 5 / 331 )